فخر الدين الرازي
52
تفسير الرازي
وهارون بعث معه بطلبه حيث قال : * ( فأرسله معي ) * ( القصص : 34 ) فكان هارون مبعوثاً ليصدق موسى فيما يقول ويقوم بما يأمره ، وأما هما فكل واحد مستقل ناطق بالحق فكان هناك المقصود تقوية موسى وإرسال من يؤنس معه وهو هارون ، وأما ههنا فالمقصود تقوية الحق فظهر الفرق . * ( قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ) * ثم بين الله ما جرى منهم وعليهم مثل ما جرى من محمد صلى الله عليه وسلم وعليه فقالوا : * ( إنا إليكم مرسلون ) * ( يس : 14 ) كما قال : * ( إنك لمن المرسلين ) * ( يس : 3 ) وبين ما قال القوم بقوله : * ( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء ) * جعلوا كونهم بشراً مثلهم دليلاً على عدم الإرسال ، وهذا عام من المشركين قالوا في حق محمد : * ( أأنزل عليه الذكر ) * ( ص : 8 ) وإنما ظنوه دليلاً بناءً على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار ، وإنما قالوا فيه أنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان ، والله تعالى رد عليهم قولهم بقوله : * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * ( الأنعام : 124 ) وبقوله : * ( الله يجتبي إليه من يشاء ) * ( الشورى : 13 ) إلى غير ذلك ، وقوله : * ( ما أنزل الرحمن من شيء ) * يحتمل وجه أحدهما : أن يكون متمماً لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة ، ووجهه هو أنهم قالوا أنتم بشر فما نزلتم من عند الله وما أنزل الله إليكم أحداً ، فكيف صرتم رسلاً لله ؟ ثانيهما : أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة ووجه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين ، ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل ، وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئاً في هذا العالم ، فإنه تصرفه في العالم العلوي وللعلويات التصرف في السفليات على مذهبهم ، فالله تعالى لم ينزل شيئاً من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم ، وقوله : * ( الرحمن ) * إشارة إلى الرد عليهم ، لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة ، فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن ، فقال إنهم قالوا : ما أنزل الرحمن شيئاً ، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئاً ، هو الرحمة الكاملة . ثم قال تعالى : * ( إن أنتم إلا تكذبون ) * أي ما أنتم إلا كاذبين . * ( قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) * إشارة إلى أنه بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا ، بل أعادوا ذلك لهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين وقالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وأكدوه باللام ، لأن يعلم الله يجري مجرى القسم ، لأن من يقول يعلم الله فيما لا يكون قد نسب الله إلى الجهل وهو سبب العقاب ، كما أن الحنث سببه ، وفي قوله : * ( ربنا يعلم ) * إشارة إلى الرد عليهم حيث قالوا أنتم بشر ، وذلك لأن الله إذا كان يعلم أنهم لمرسلون ، يكون كقوله تعالى : * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * ( الأنعام : 124 ) يعني هو عالم بالأمور وقادر فاختارنا بعلمه ورسالته